معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 321
قول اللّه تعالى مبيّنا مرحلة من مراحل مسيرة إبراهيم عليه السّلام الدّعويّة:
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (52) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (53) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) :
بدأ بدعوة أبيه قبل دعوة سائر قومه، عملا بالمنهج الدّعويّ الأمثل، الّذي يستدعي دعوة الأقربين من أهله قبل غيرهم.
ما هذِهِ التَّماثِيلُ؟: أي: ما حقيقة هذه التّماثيل من الأصنام والأوثان، الّتي تنحتونها من الحجارة، أو تصنعونها من غير الحجارة، حتّى تستحقّ منكم أن تعبدوها بألوان من العبادات، كالملازمة، والطّواف، والدّعاء، والرّكوع، وتقديم القرابين.
الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ: أي: الّتي أنتم لأجل عبادتها مقيمون عندها، وملازمون المكان الّذي تضعونها فيه.
يقال لغة:"عكف في المكان يعكف، ويعكف، عكفا، وعكوفا"أي: أقام فيه ولزمه، ولا يشترط في العكوف أن يكون للعبادة لغة.
وقد صار العكوف شكلا من أشكال العبادة للّه أو لغيره.
قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (53) : أي: قال أبو إبراهيم عليه السّلام ومن وجّه لهم السّؤال من قومه: نحن نعبدها بهذا العكوف تقليدا لآبائنا، إذ وجدناهم لها عابدين.
قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) : أي: قال إبراهيم عليه السّلام لأبيه وقومه الّذين أجرى هذا الحوار معهم: لقد كنتم