معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 355
وقد سبق في الآيات الأولى من (2 - 15) من سورة (مريم/ 44 نزول) بيان مفصّل عن دعاء زكريّا عليه السّلام، واستجابة اللّه عزّ وجلّ له دعاءه، مع دراسة تكامليّة للنّصوص القرآنيّة المتعلّقة به عليه السّلام، فليرجع إليه ففيه الاستيعاب المنشود.
التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى:
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (89) :
أي: وضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي لكلام ربّك وبياناته؛ قصّة النبيّ الرّسول"زكريّا"- عليه السّلام- حين نادى ربّه داعيا طالبا أن لا يتركه فردا منقطعا، محروما من الذّرّيّة في شجرة نسبه، كفرع انتهى الامتداد من جهته عنده، فصار وحيدا فريدا منقطعا، بينما تمتدّ الفروع الأخرى في شجرة النّسب بالذّراري من كلّ جوانب الشّجرة.
ضع هذا في ذاكرتك لتستفيد منه العبرة والعظة، وحكمة اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- في تلبية مطالب عباده الصالحين.
وأثنى زكريّا عليه السّلام في آخر دعائه على ربّه بقوله: وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ: أي: وأنت خير من ترجع كلّ الأشياء والأحياء إلى محض ملكه، تبارك اسمك، وتعالى جدّك، وعظم سلطانك.
لفظ"الوارث"اسم من أسماء اللّه الحسنى، وهو يدلّ على أنّه يرجع إلى محض ملكه كلّ شيء جعل هو لبعض عباده تملّكا صوريّا له، وعلى أنّه تعود إليه الأشياء المملوكة هي ومالكوها، مع أنّ الحقيقة أنّ ملك اللّه للأشياء كلّها مستمرّ لا ينقطع، فاللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- هو