معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 376
البشارة عند موتهم من ربّهم، بأنّهم ناجون من عذاب جهنّم ولا يدخلونها، فسبقت لهم منّا البشارة الحسنى بهذا، قبل الحساب، وفصل القضاء، يوم الدّين؛ أولئك الفضلاء رفيعو المنزلة عند ربّهم؛ عن جهنّم مبعدون، وفي جنّات النّعيم ينعّمون، وحين يكونون في جنّات الخلد ينعّمون؛ لا يطرق سمعهم صوت ما ممّا يسمع عادة من أصوات جهنّم وأصوات المعذّبين فيها، لئلّا يتكدّروا بسماع هذه الأصوات المزعجة.
وهم فيها اشتهت أنفسهم؛ منعّمون في جنّات النّعيم، وخالدون خلودا أبديّا فيها.
ولا يتعارض هذا مع ما جاء في الآيتين (71 و72) من سورة (مريم/ 44 نزول) بشأن ورود المؤمنين وغيرهم على جهنّم، لأنّ ما جاء فيهما هو الورود على الصّراط، الّذي يضرب على وسط أعلى جهنّم من حافّة إلى الحافّة المقابلة لها، فهو بالنّسبة إلى الّذين سبقت لهم من ربّهم الحسنى يكون ورودهم جهنّم ورود إشراف سريع قبل دخولهم الجنّة، كما سبق لدى تدبّر هاتين الآيتين في سورة (مريم/ 44 نزول) ، ولا يصاحبه شيء ممّا يعكّر صفوهم أو يؤذيهم.
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى: هذا البيان يتعلّق بحال المؤمنين الّذين كانوا قد عملوا الصّالحات في الدّنيا، بعد صدور الحكم بدخولهم الجنّة، وأنّهم ناجون من الدّخول في دار العذاب النّار.
هؤلاء الفضلاء ذوو المنزلة الرّفيعة عند ربّهم؛ قد سبقت لهم عند موتهم وبعد موتهم البشرى الحسنى، بأنّهم ناجون من الدّخول في النّار، وبأنّهم من أهل جنّات النّعيم، وقد جاء هذا في الصّحيح القطعي من النّصوص الدّينيّة، فلا مجال للعدول عنه.
الحسنى: وصف لذات صفة هي الأحسن من غيرها، وأولى ما نقدّره"البشرى"، أي: سبقت لهم منّا البشرى الحسنى.