معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 428
المعنى الأوّل: التقدير، وهو إعطاء أجزاء الشّيء مقاديرها بإحكام، وعلى هذا المعنى قال اللّه عزّ وجلّ في خطابه لعيسى عليه السّلام في سورة (المائدة/ 5 مصحف/ 112 نزول) :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ... (110) .
المعنى الثاني: ابتداع الشّيء على غير مثال سبق، وإيجاده من العدم، وهذا المعنى لا ينطبق على غير اللّه عزّ وجلّ.
ولعلماء الأحياء من مختلف التّخصّصات دراسات مستفيضات حول إتقان خلق الإنسان، والأطوار الّتي يمرّ خلقه بها، وما جاء في القرآن مطابق للحقائق الثّابتة الّتي توصّل علماء الكونيّات إليها.
قول اللّه تعالى متابعا بيان مسيرة وجود النّاس:
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16) :
أي: ثمّ إنّكم أيّها النّاس بعد انتهاء ما قدّر لكلّ منكم من حياة في هذه الدّنيا، حياة الابتلاء لميّتون.
جاء توكيد هذه العبارة بالمؤكّدات:"إنّ- والجملة الاسمية- واللام المزحلقة"، مع أنّ الموت حقيقة لا يجحدها إنسان لديه أدنى إدراك.
ويبدو لي أنّ الدّاعي لهذا؛ التّناظر بين هذه الآية وبين الآية (16) ، والإشعار بأنّ الموت حدث مقصود في خطّة التّكوين، ليكون بعده فاصل برزخ بين الموت والبعث، ثمّ يأتي البعث للحياة الأخرى الأبديّة، حياة الجزاء الأكبر.
قول اللّه تعالى أيضا:
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16) :