معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 433
قول اللّه تعالى يتابع بيان بعض آثار نعمة اللّه على النّاس بالماء في الأرض، وهذه الآثار من آياته في كونه:
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) :
أي: فأنشأنا لكم بالماء الّذي أنزلناه من السّماء بساتين من نخيل وأعناب وغيرهما من الشّجر، وهذه الجنّات لكم فيها فواكه كثيرة تتفكّهون بها، ومنها تأكلون قوتا لبناء أجسادكم وإمدادها بالقوّة والقدرة على العمل.
وأنشأنا لكم بالماء أيضا شجرة مباركة، كانت في أصل إنشائها تخرج من أرض طور سيناء، ثمّ زرعها النّاس بالتّوسيع الزّراعي في معظم بلاد الشّام، ثمّ في بلاد كثيرة لم تكن معروفة فيها، وهي شجرة الزّيتون الّتي تنبت ملتبسة بالدّهن، وهو المعروف بزيت الزّيتون، الّذي تدهنون به شعوركم وأجسادكم، لما فيه من منافع لها، والّذي تأكلون منه بمقدار صبغ خبزكم وصبغ كثير من أطعمتكم، ولا تأكلون منه كما تأكلون الخبز، وغيره من الثمرات الّتي تؤكل وتمضغ.
فَأَنْشَأْنا: الإنشاء: الإحداث المصحوب بالتّكامل المتدرّج غالبا.
جَنَّاتٍ: جمع"جنّة"، وهي ما يحتوي على أشجار وثمار وزروع وأنهار، وقد تكون فيها قصور. وتطلق"الجنّات"على الحدائق والبساتين المكتظّة بالأشجار، فهي ساترة لما تحتها.
وأصل مادّة"جنّ"تدور حول معنى السّتر.
مِنْ نَخِيلٍ:"النّخل"و"النّخيل"اسم جنس جمعيّ، واحده"النّخلة"، وهي شجرة معروفة، وثمر ما يثمر منها: البلح والتّمر.