معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 443
إنّهم لو صدقوا لما كان دليلا على عدم إرسال رسل قبل نوح عليه السّلام، فكم من أخبار ضاعت في التّاريخ، ولا سيما في القرون الأولى الّتي لم تكن الأخبار فيها تدوّن في الكتب.
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ في كتابه أنّه ما من أمّة انحرفت عن دين اللّه الحقّ؛ إلّا بعث اللّه عزّ وجلّ فيها رسولا منذرا، استكمالا لحكمة الابتلاء في ظروف الحياة الدّنيا، ولا أقلّ من أن يكون فيها نبيّ أو مبلّغون يبلّغونها رسالة رسول سابق.
إنّ عدم العلم بالأخبار السّابقة؛ لا يقتضي أنّ ما تتضمّنه الأخبار غير موجود في الواقع والحقيقة.
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ:"إن"حرف نفي مثل"ما"."جنّة"أي: جنون، يقال لغة:"جنّ، جنّا، وجنونا، وجنّة، ومجنّة"أي: زال عقله.
عبارة: بِهِ جِنَّةٌ بصيغة المصدر المنكّر؛ دلّت على أنّهم لم يقصدوا أن يقولوا: هو مجنون جنونا مطبقا، بل ما فيه هو نوع من أنواع الجنون، وقد يعنون جنون العظمة وحبّ الاستعلاء.
والقصر في هذه العبارة هو من قصر الموصوف على الصّفة، وهو من نوع القصر الإضافي.
فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) : فتربّصوا: أي: فتريّثوا وانتظروا. يقال لغة:"ربص بالشّيء ربصا، وتربّص به تربّصا"أي: انتظر به خيرا أو شرّا.
المعنى: فانتظروا به إلى حين ما شيئا نخلص به منه ومن دعوته، ومنها انتظار موته، في زمن سيأتي.