معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 453
ضمّن لفظ"مؤمنين"الذي يعدّى بالباء؛ معنى لفظ"مسلمين"الذي يعدّى باللّام، فعدّي تعديته، فجاءت العبارة: وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ.
قول اللّه تعالى يبيّن بإيجاز شديد نهاية عاد بإهلاكهم، ودعاء هود عليه السّلام ربّه بأن ينصره كما دعا نوح عليه السّلام من قبل:
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (39) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) :
أي: قال هود عليه السّلام في آخر مسيرته الدّعويّة لقومه، بعد أن يئس من إيمانهم واستجابتهم لدعوته: ربّ انصرني بسبب تكذيبهم لي.
فقال اللّه له وحيا: قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (40) : أي: بعد زمن قليل أأكّد لك أنّهم يصبحون نادمين، إذ يأتيهم عذابنا في الصّباح.
لفظ"ما"بعد"عن"في عَمَّا حرف زائد لتوكيد قلّة الزّمن.
ونزل بهم عقاب اللّه في الوقت المقدّر لإهلاكهم، فأخذتهم مع الرّياح الّتي أرسلها على أرضهم الصّيحة العظمى، وهي صوت عظيم مهلك، وتطلق الصّيحة على العذاب، وكان أخذها لهم من الحياة مع تعذيبهم أخذا بالحقّ، إذ كانوا ظالمين.
فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً: أي: فجعلناهم بعد إهلاكهم مثل الغثاء، وهو ما يحمله السّيل من رغوة ومن فتات القمامات والأشياء الّتي تكون على وجه الأرض فيحملها السّيل.
فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) : أي: فطردا للقوم الظّالمين من مواقع تنزّلات آثار رحمة اللّه تبارك وتعالى.
وبهذا انتهى تدبّر الدّرس الخامس من دروس سورة (المؤمنون) .
والحمد للّه على معونته، ومدده، وتوفيقه، ومنّته، وفتحه.