معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 466
قول اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولكلّ حامل رسالته من أمّته بشأن الّذين تقطّعوا أمرهم بينهم زبرا:
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) :
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) :
الغمرة: الضّلالة الّتي تغمر صاحبها.
أي: فاتركهم في ضلالتهم الغامرة لهم من كلّ جوانبهم حتّى حين من الدّهر تسقط بالفتح الإسلاميّ عروشهم، وتندحر جيوشهم، أو حتّى حين من الدّهر تنتهي فيه آجالهم ويلقون فيه عذاب ربّهم بعد موتهم، إذ هم ميؤوس من استجابتهم الحرّة لدعوة دين اللّه الحقّ، بعد أن تلقّوا بيانات القرآن فيما سبق من نجوم التّنزيل.
أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) :
أي: أيتوهّمون أنّ ما نمدّهم به في الحياة الدّنيا من متاعات مختلفات، لنبلوهم بها، ومنها المال والبنون؛ أيتوهّمون أنّنا نسارع في منحهم ما يحبّون من خيرات الحياة الدّنيا؛ إكراما لهم وإنعاما، لأنّهم مفضّلون عندنا.
لا يتوهّموا هذا التّوهّم الباطل، فإنّ من حكمتنا في دنيا الامتحان أن نملي للظّالمين، ونمدّهم بعطاءاتنا، حتّى يتمادوا في ظلمهم فتقوم عليهم الحجّة دون أن يكون لهم عذر ما.
بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) : أي: بل لم نمدّهم بما يحبّون من متاعات الحياة الدّنيا إكراما لهم وإنعاما، إنّما نملي لهم، وهم لا يشعرون بأنّهم يمتحنون، لأنّهم في وحل شهواتهم غارقون.