فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 480
ودلّت هذه الآية على أنّ المعنيّين بالعلاج؛ كانوا في حالة ضرّ وبؤس، وربّما كان هذا هو الجوع الذي نزل بهم، فأكلوا"العلهز".
فالمعنى: ولو رحمناهم فأزلنا عنهم ما يعانون من ضرّ؛ لما تركوا قبائحهم، ولما تابوا إلى بارئهم، بل لثبتوا ملازمين كفرهم غارقين في طغيانهم الغالين فيه، ولاستمرّوا يعمهون ويتحيّرون فيما يختارون من مسالك يرضون بها أهواءهم وشهواتهم، كالعمي الّذين يسيرون في أرض وعرة لا مسالك فيها تهديهم.
الصّفة الثالثة: دلّ عليها قول اللّه تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (76) :
فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ: أي: فما ذلّوا ولا خضعوا لربّهم.
وَما يَتَضَرَّعُونَ: أي: وما يتذلّلون وما يخضعون داعين أن يزيل اللّه عنهم ما أنزل بهم من عذاب.
يصف اللّه عزّ وجلّ حالة أخذ فيها المعنيّين بالعلاج بعذاب ليس بشديد، فما كان منهم تذلّل لربّهم ولا تضرّع له بالدّعاء، لأنّهم يتصوّرون أنّ ما نزل بهم إنّما هو من عوارض الدّهر وتقلّباته، وليس تذكيرا لهم من ربّهم الّذي لا يجري شيء في الكون إلّا بأمره أو بإذنه وعلمه.
الصّفة الرابعة: دلّ عليها قول اللّه تعالى: حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) :
مُبْلِسُونَ: أي: ساكتون، يائسون، نادمون.
حَتَّى: ابتدائيّة. وهي حرف يدخل على الجمل الاسميّة والفعليّة.