معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 482
التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى خطابا لمنكري البعث:
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (78) :
أي: كيف تنكرون البعث بعد الموت للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء، الّذي أنبأكم به خالقكم وبارئكم، وهو الّذي أنشأ لكم من العدم بإيجاد متدرّج: السّمع والأبصار والأفئدة، وهي أعظم الأجهزة الّتي فضّلكم اللّه بها على كثير من خلقه تفضيلا كثيرا؟!!
فالسّمع: أي: أداته، وهو جهاز عجيب الخلق والصّنع في داخل الدّماغ، يوصل إليه المسموعات أجهزة عجيبة الصّنع في الأذن، وموصلات دقيقات جدّا، بين الأذن وجهاز السّمع في الدّماغ.
والأبصار: مراكز إدراك للمرئيّات في داخل الدّماغ، وتوصل إليها صور المرئيّات: الأعين ذوات الصّنع العجيب، وموصلات دقيقات جدّا بين الأعين ومراكز إدراك صور المرئيّات في داخل الدّماغ.
والأفئدة: وهي مراكز فهم الأمور والقضايا، وتحليل عناصرها وتركيبها، واستنتاج قضايا أخرى تلزم عنها، بالتّفكير والتّأمّل، وإبداع صور جديدة مع ما فيها من قدرات تخيّل واسعة امتاز بها إبداع خلق الإنسان.
وهذه الأجهزة والأدوات تتطلّب منكم أن تشكروا بارئكم عليها بالإيمان به وبعظيم صفاته، وبالاستجابة لما يدعوكم إليه، وبفعل ما يأمركم به، وبترك ما ينهاكم عنه، وبتصديق ما أنبأكم به من البعث، ويوم الدّين، للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء.
ولكنّكم قليلا جدا تشاكرون، إن اتّجهت قلوبكم ونفوسكم لشكره، لأنّكم تؤثرون تلبية أهوائكم وشهواتكم، ومتاعاتكم من الحياة الدّنيا.