معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 535
تعرج صاعدة آثار التّدبير إليه جلّ جلاله وعظم سلطانه، وهو العليم بكلّ شيء قبل إنزال صحيفة التّدبير وبعد إنزالها، وأثناء تنفيذ ما جاء فيها، وبعد تنفيذ كلّ عنصر من عناصرها، ولكنّ سنّته في كونه أن يكون كلّ تصريف فيه خاضعا لنظام الأسباب والمسبّبات، وهو الفعّال الحقيقيّ في الكون من خلال قنوات الأسباب.
وصحيفة التدبير وعروج آثار ما جاء فيها إليه تبارك وتعالى؛ تشمل أحداث زمن يوم مقداره ألف سنة ممّا يعدّ النّاس، أي: نحو (36500) يوم من أيّام النّاس بحسب النّظام الشّمسيّ، أو نحو (35400) يوم من أيّام النّاس بحسب النّظام القمري، وهذا لجزء من الكون يبدأ من محيط السّماء العليا حتى مركز الأرض.
فعل"كان"في عبارة: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ يراد به الكينونة المستمرة.
هذا البيان يعلّمنا أن نتخذ تدبيرات محكمة لدولنا ولقضايانا العامّة يجري تنفيذها خلال سنوات عديدات، وقد توصلت الدول إلى ما يسمّونه مثلا الخطّة الخمسيّة للإصلاح الاقتصادي أو لغيره من مشاريع.
قول اللّه تعالى متابعا بيان بعض صفاته وظواهر خلقه:
ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (9) :
ذلِكَ: أي: الرّبّ العليّ الأعلى البعيد جدّا بذاته عن إدراك كلّ ما خلق ومن خلق من ذوي الإدراك.
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ: أي: عالم كلّ ما هو غيب عن مخلوقاته أو بعضهم، وكلّ ما هو مشهود لهم.