معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 539
وبين القراءتين تكامل في الأداء البياني، أي: يرجعكم اللّه، فترجعون بالجبر.
تمهيد:
في آيات هذا الدّرس بيان مقالة من مقالات المكذّبين بالبعث، مع علاجهم ببيان الحقّ، والتّرهيب بعرض مشهد من مشاهدهم يوم القيامة في موقف الحساب.
التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى يذكر مقالة من مقالات منكري البعث، وقد سبق في الدّرس السابق بيان ادّعائهم أنّ محمّدا- صلّى اللّه عليه وسلّم- افترى القرآن على ربّه:
وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ... (10) ؟!.
ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي: ضاعت ذرّات أجسادنا في تراب الأرض الواسعة.
وقد سبق أن أبان اللّه لهم ردّا على هذا الاستفهام الإنكاري، الّذي لا حجّة معه غير مجرّد الاستغراب والاستبعاد؛ بقوله عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/ 73 نزول) :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (104) .
وظاهر أنّه لا يشترط في الإعادة إعادة كلّ ذرّات الأجساد إلى ما كانت عليه، مع أنّه عزّ وجلّ قدير على ما يشاء لا يعجزه شيء يريده.
وتشبيه الإعادة بالبدء يدلّ على أنّ النّواة الأولى الّتي أنشئ الإنسان عليها؛ هي الّتي ينشئ اللّه على نظيرها من مشتقّاتها جسد الإنسان حين إعادته بالبعث ليحيا الحياة الأخرى، هذا ما دلّت عدّة نصوص، إذ ينبته اللّه من النّواة الّتي تبقى في عجب الذّنب لا تفنى.