معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 542
الفاصل بين الموت والبعث ترجعون إلى ربّكم، ليحاسبكم ويفصل القضاء بينكم، وينفّذ ما يقضي به من جزاء بالعدل.
قول اللّه تعالى يبيّن مشهدا من مشاهد المجرمين ومنهم منكرو البعث الّذين يدور الدّرس حول علاجهم:
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) :
ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ: أي: مطأطئو رؤوسهم يحنونها إلى الأسفل من الذّلّ والانكسار والخضوع.
أي: ولو ترى أيّها الرّائي أيّا كنت؛ حين يكون المجرمون ومنهم منكرو البعث، يوم القيامة؛ ناكسي رؤوسهم يخفضونها ويحنونها إلى الأسفل ذلّا وانكسارا وخضوعا، ويدعون ربّهم قائلين: ربّنا أبصرنا أحداثا جسيمة عظيمة مخيفة ممّا سيلقاه الكافرون الجاحدون المكذّبون بيوم الدّين، وسمعنا من زفير جهنّم وشهيقها وأصواتها المرعبة؛ ما جعل قلوبنا تكون على يقين ممّا كنّا نكفر به ونكذّب به، فارجعنا إلى حياة الابتلاء نعمل عملا صالحا على وفق ما تأمرنا به أو تنهانا عنه.
لكنّ اللّه عزّ وجلّ لا يستجيب دعاءهم، فقد سبق أن رفض أن يستجيب لهم عند موتهم دعاء مماثلا لهذا الدّعاء.
لأنّهم لو ردّوا إلى حياة الابتلاء لعادوا لما نهوا عنه، إذ يردّون إلى مثل ما كانوا فيه في الحياة الدّنيا تماما، لا يذكرون من أحوال الآخرة شيئا، لتكون ظروف امتحانيهم متساوية.
وجواب"لو"محذوف إيجازا، ومن السّهل تقديره، أي: لترينّ المجرمين في حالة مهانة وذلّ وذعر شديد يثير الحسرة عليهم.
وبهذا انتهى تدبر الدرس الثاني من دروس سورة (السّجدة) .
والحمد للّه على معونته، ومدده، وتوفيقه، ومنّته، وفتحه.