معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 654
أي: وهؤلاء كانوا مذنبين ذنوبا كبرى يستحقّون بسببها أن يعذّبوا ويهلكوا.
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ: تفريع على كونهم جاءوا بالخاطئة، وبيان لذنبهم الكبير.
أي: فعصى كلّ قوم منهم رسول ربّهم الّذي أرسل إليهم، فلم يستجيبوا لدعوته إلى دين اللّه الّذي اصطفاه لعباده في حياة الابتلاء.
فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (10) : أي: فقبض ربّهم عليهم بسبب ذنوبهم الكبرى لتعذيبهم وإهلاكهم قبضة زائدة في شدّتها وعنفها، نامية في مظهرها.
قول اللّه تعالى مشيرا إلى إهلاك كفّار قوم نوح عليه السّلام بالطّوفان:
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (12) :
أي: إنّا لمّا بدأنا تنفيذ ما قدّرناه من طغيان الماء فوق كلّ حدود السّلامة لمن هم على الأرض، لإهلاك كفّار قوم نوح- عليه السّلام- بالطّوفان؛ حملناكم داخل ظهور أجدادكم المؤمنين من ذرّيّته، في السّفينة الجارية، الّتي صنعها نوح بأعيننا ووحينا، لننجيه وننجي الّذين آمنوا معه.
دلّ هذا الخطاب للنّاس في هذه السّورة؛ على أنّ النّاس من بعد نوح عليه السّلام منحدرون من الّذين ركبوا معه في الفلك، ودلّ نصّ آخر على أنّ اللّه قد جعل ذرّيّته هم الباقين من بعد الطّوفان، فهم من ذرّيّة نوح عليه السّلام.
لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً: أي: لنجعل لكم نجاة نوح- عليه السّلام- ونجاة الّذين آمنوا معه في الفلك؛ قصّة تاريخيّة تذكّر بما فعلنا من إهلاك الكافرين الّذين استحقّوا بعنادهم وإصرارهم على الكفر الإهلاك الشّامل،