معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 669
قول اللّه تعالى متابعا الحديث عن القرآن المجيد:
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) :
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) : التّذكرة: الوسيلة الّتي يستذكر بها الشّيء، كبطاقة الدّعوة، والرّتيمة، ونحو ذلك.
أي: وإنّ القرآن لوسيلة تذكّر بمطلوب اللّه من عباده في حياة امتحانهم، وهي في الواقع تذكّر المؤمنين المسلمين المتّقين، الحريصين على وقاية نفوسهم من عقاب اللّه على معصيته.
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) : يخاطب اللّه عزّ وجلّ النّاس بضمير المتكلّم العظيم، فيؤكّد لهم أنّه تبارك وتعالى؛ يعلم أنّ زمرة منهم مكذّبون؛ بأنّ القرآن الّذي يتلوه عليهم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم تنزيل من لدنه، وهؤلاء المكذّبون لا يتّخذون القرآن وسيلة تذكّرهم بمطلوب اللّه من عباده في حياة امتحانهم، فهم يعرّضون أنفسهم لعذاب اللّه الشّديد خلودا في الجحيم.
وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (50) : الحسرة: شدّة الحزن مع النّدم على ما فات.
أي: وإنّ القرآن لحسرة على الكافرين به، وبمن بلّغه عن ربّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
وهذه الحسرة المسلّطة عليهم لا تظهر منهم وهم في حياة الابتلاء، بل تظهر يوم الدّين حينما يعلمون أنّهم من أصحاب النّار، وتستمرّ مصاحبة لهم حتّى يشاهدوها، وحتّى يلقوا فيها، وحين يكونون خالدين في عذابها.
يقولون: يا ليتنا كنّا مؤمنين مسلمين متّقين نتّخذ القرآن تذكرة تذكّرنا دواما بمطلوب اللّه- جلّ جلاله- منّا.
وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) : أي: وإنّ القرآن يشتمل على أعلى مراتب العلم، وهو العلم المؤيّد بكلّ ما يمكن من وسيلة خبريّة،