فهرس الكتاب

الصفحة 909 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 217

عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (43) .

لأنّ عتاب اللّه للرسول في قصّته مع الأعمى، وهو يوجّه عنايته الفائقة لدعوة بعض عظماء قريش، مع شدّة حرصه على هدايتهم، أشدّ من عتابه له على إذنه للرّاغبين في التخلّف عن غزوة تبوك، فقد كان معظم المعتذرين منافقين، والمصلحة في عدم الإذن لهم تظهر بكشف وفضح نفاقهم وكذبهم في معاذيرهم، ويقابلها أنّهم لو خرجوا مع جيش الرسول ما زادوا في المسلمين عددا صحيحا، إنّما يزيدونهم فسادا وإفسادا، وهذا أمر جدير بالملاحظة، وعذر القائد في اختياره عذر واضح، وفيه تحقيق لمصلحة عظمى، إلّا أنّ عدم الإذن لهم قد كان أكثر رجحانا، وهو ما أرشد اللّه إليه في العتاب.

عَبَسَ: تقول لغة: عبس الرّجل يعبس عبسا وعبوسا، إذا كلح وجهه، وتقبّض عن كراهية واستياء.

وتقول أيضا: عبس الرّجل وجهه، إذا جعله بإرادته منقبضا عن تكرّه واستياء.

فالفعل يأتي لازما ومتعدّيا، ويمكن حمل ما جاء في الآية على الأمرين كليهما، فوجه الرّسول عبس بحركة غير إرادية، ثمّ عبس الرّسول وجهه بحركة إراديّة.

ويلاحظ أنّ اللّه عزّ وجلّ كشف ما كان ما الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من عبوس، مع أنّ عبوسه لا يراه الأعمى، ليعلّمنا أنّه ليس من الأدب الإسلامي أن نواجه العميان بما يكرهون من أعمال وحركات لو كانوا مبصرين لرأوها، على أنّه لا يخلو الأعمى غالبا من قائد يبلّغه، فيكون حاله بذلك كحال البصير.

وَتَوَلَّى: أي: وأدار ظهره مدبرا، والتولّي ضدّ المواجهة، وبينهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت