معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 218
الإعراض، وشرح بعض المفسّرين كلمة"تولّى"ب"أعرض"فيه تسمّح لغوي.
أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (2) : أي: لأجل أن جاءه الأعمى فسأله بعض مسائل من أمور دينه، فكره أن يشغله عمّا هو فيه من دعوة إقناعيّة وترغيبية وترهيبّية لبعض عظماء قريش، وهو شديد الحرص على إسلامهم.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (4) .
في هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب، فبعد أن كان الكلام بأسلوب الحديث عن الغائب، لتقديم لمسة تربويّة ضاغطة، التفت النّصّ إلى أسلوب المواجهة بكاف خطاب الحاضر، لبيان العناصر الّتي اقتضت تربية اللّه لرسوله بالعتاب، وبالكلام عنه بأسلوب الحديث عن الغائب.
ففي الحديث عن الرسول بأسلوب ضمير الغائب عتاب على ظاهرة السلوك بالعبوس والتولّي.
وفي مواجهة الرّسول بكاف الخطاب المباشر مراعاة لمقتضى العتاب على الدافع النّفسيّ لما كان من الرسول من سلوك ظاهر.
إنّ قول اللّه عزّ وجلّ لسيّدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: وَما يُدْرِيكَ؟ موجّه لخواطر وظنون نفسيّة كانت هي الدّافع لعبوسه وتولّيه عن المسلم الأعمى، وهذه الخواطر والظنون مطويّة في النّصّ إيجازا وتعميما، لكنّنا نستطيع اكتشافها، من الاحتمالات التوجيهيّة التي طرحها النّصّ في العتاب، إذ قال اللّه لرسوله فيه: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (4)
ومن استقراء الاحتمالات استقراء فكريّا يظهر أنّها تقع في قسمين:
القسم الأول: أن يكون السائل الأعمى ثرثارا ثقيل الظّلّ، من عادته أن يسأل عمّا هو عالم به، كشأن بعض الثقلاء، أو أن يكون ممّن يحبّون الاستمتاع بمحادثة الرسول، كشأن كثير من الأتباع الّذين يثقّلون على