معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 98
النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقرأ عليه القرآن، فكأنّه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا، قال: لم؟. قال: يعطونكه، فإنّك أتيت محمّدا تتعرّض لما قبله. قال: قد علمت قريش أنّي أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يعلم قومك منه أنّك منكر لما قال، وأنّك كاره له، قال: فما أقول فيه، فو اللّه ما منكم رجل أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برجزه منّي، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، وو اللّه إنّ لقوله لحلاوة، وإنّه ليحطم ما تحته، وإنّه ليعلو ولا يعلى. قال: واللّه لا يرضى قومك حتّى تقول فيه. قال: فدعني حتّى أفكّر فيه، فلمّا فكّر قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) ... الآيات.
(3) وجاء عند الطبريّ أيضا عن ابن عباس، قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة- رضي اللّه عنه- يسأله عن القرآن، فلمّا أخبره خرج على قريش، فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو اللّه ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإنّ قوله لمن كلام اللّه، فلمّا سمع بذلك النّفر من قريش ائتمروا وقالوا: واللّه لئن صبأ الوليد، لتصبأنّ قريش.
فلمّا سمع بذلك أبو جهل قال: أنا واللّه أكفيكم شأنه، فانطلق حتّى دخل عليه بيته، فقال للوليد: أَلم تر قومك قد جمعوا لك الصّدقة؟
قال الوليد: أَلست أكثرهم مالا وولدا؟
فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنّك إنّما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه.
قال الوليد: أقد تحدّثت به عشيرتي، فلا واللّه لا أقرب أبا بكر ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلّا سحر يؤثر، فأنزل اللّه على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم: