معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 100
مسيرتك في دعوتك دون أن تشغلك مصارعته عن القيام بواجبات رسالتك التبليغيّة البيانيّة والإقناعيّة والترغيبيّة بثواب اللّه والترهيبيّة من عقابه، فأنت في المراحل الابتدائيّة لمسيرة دعوتك لا ينبغي لك أن تشغلك المصارعة، إذ تعوّق مسيرتك، وربّما تؤلّب عليك جماهير الناس، فتوقف حركتك في القيام بوظائف رسالتك.
وهذا المعنى مرتبط بقول اللّه عزّ وجلّ في الدرس الأول: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) .
(ذرنى:) بمعنى: دعني، واتركني، وقد استعمل العرب من هذه المادّة المضارع والأمر، فقالوا:"يذر"بمعنى يدع ويترك، وقالوا:"ذر"بمعنى دع واترك، أمّا الماضي:"و ذر"والمصدر:"و ذرا"فقد أهملوا وأماتوا استعمالهما، إلّا نادرا.
وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا: أي: ومن خلقته حالة كونه وحيدا لا نصير له ولا معين ولا شيء يعتزّ به، وتدلّ هذه العبارة باللّزوم الذّهني على معنى:
وبعد ذلك أمددته بالأنصار والأعوان والأبناء والأموال، وأنا القادر على سلبه ما أمددته به، فلا تشغل نفسك بمقاومته ومقارعته حتّى آذن لك.
الوحيد: المنفرد بنفسه، والأنثى: وحيدة.
هذه العبارة تنطبق على كلّ إنسان، وكلّ ذي حياة، وكلّ مخلوق، وقد جاءت هنا بمناسبة ما كان من الوليد بن المغيرة، فهو المقصود الأوّل منها، ويلحق به من كان مثله، فكلّ مخلوق من الإنس والجنّ وغيرهما قد خلقه اللّه عاجزا فقيرا وحيدا لا نصير له ولا معين، محتاجا في أسباب حياته وبقائه مددا من قوى غيبيّة غير منظورة، لا يملك الإمداد بها إلّا الرّبّ الخالق الّذي لا تراه العيون، ولكن تدرك العقول بعض صفاته من آثارها في خلقه.