معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 265
قاسر، يلاحق طريدته ليفترسها أو يصيدها، كما يفعل الأسود، أو كما يفعل الرّماة الصّيّادون.
إنّ الإنسان ذا الفكر الحصيف لا يفرّ من عرض التذكرات الفكريّة عليه، بل يقبل عرضها، ويقبل مناقشتها، ثمّ هو بعد ذلك إمّا أن يقبلها، وإمّا أن يرفضها.
فدلّ هذا النّص بوضوح تامّ على أنّ الدعوة إلى الإسلام عرض تخييريّ لمن يعرض عليهم من غير المسلمين، وليس إكراها ولا إجبارا بالقسر، فمن شاء استجاب فأسلم، ووضع في ذاكرته أركان الإيمان والإسلام وبيانات القرآن، لاتباعها، فقال تعالى فيه: فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (55) .
وأبان النصّ علّة المعرضين النفسيّة وهي أمران:
الأول: الكبر عن اتّباع الرسول، لأنّ كلّ امرئ من هؤلاء يريد أن ينزّل عليه من عند اللّه صحف منشّرة، فقال تعالى: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) .
الثاني: جحودهم للبعث والحساب والجزاء يوم الدّين، فهم لا يخافون عقاب اللّه في الآخرة، فقال تعالى: كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (53) .
النصّ الثالث:
قول اللّه عزّ وجلّ من سورة (التكوير/ 81 مصحف/ 7 نزول) بشأن القرآن المجيد:
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (27) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) .
فأبان هذا النّص أنّ القرآن ليس إلّا ذكرا موجّها لكلّ العالمين، الموضوعين موضع الابتلاء والتكليف، أمّا من يستجيب لدعوته ويتدبّره،