معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 272
فيعطيهم في هذا أنّ لهم أن يختاروا ما يشاءون من عمل، ولكنّه ليس تخيير إباحة، إنّما هو تخيير امتحان، وهو ممزوج بوعيد بالعقاب إذا اختاروا غير المطلوب منهم في رحلة امتحانهم.
فقد حمّلهم مسؤوليّة مشيئتهم، وأبان لهم أن عاقبة إلحادهم وشركهم عذاب أليم يوم القيامة في نار جهنّم.
*** النص الحادي عشر:
قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الغاشية/ 88 مصحف/ 68 نزول) خطابا لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، ويلحق به كلّ داع إلى سبيل ربّه من أمّته:
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) .
نزل هذا النّصّ بعد رحلة طويلة في دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لقومه، أبان لهم خلالها أصول الدين الإيمانيّة والأخلاقيّة، وأصوله التعبّديّة مبيّنا لهم فيها أنّ العبادة لا يصحّ أن تكون إلّا للّه وحده، وأقام لهم الحجج والبراهين الكثيرة، ولم يبق عليه بالنّسبة إلى من تبلّغها من الكافرين غير التذكير بها، وإذ وصل معهم إلى هذه المرحلة، فإنّ وظيفته الآنيّة بالنسبة إليهم إنّما هي التذكير فقط، أمّا أن يتصوّر أنّه صار مكلّفا أن يلزمهم بالإيمان والإسلام إلزام مكره مسيطر، فهو تصوّر غير صحيح، لأنّه يتنافى مع وضعهم في الحياة الدنيا موضع الامتحان، فامتحان الإرادة يستلزم تمكينها من أن تختار ما تشاء خلال مدّة امتحانها.
فقال اللّه لرسوله: (فذكر) أي: فوظيفتك بالنسبة إلى هؤلاء هي وظيفة التذكير بما سبق أن بلّغتهم إيّاه.
إنّما أنت مذكّر: أي: ما أنت بالنسبة إلى هؤلاء الذين سبق أن