معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 104
* قول اللّه عزّ وجلّ:
كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (16) :
(كلا) كلمة ردع وزجر، موجّهة للوليد، والمزجور عنه الطّمع بالزّيادة، وهذا وعيد من اللّه له بأنّ اللّه لن يحقّق له مطامعه الّتي يرجو تحقيقها في المستقبل.
وجاء تعليل هذا الرّدع والزّجر في قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا هذا بيان يتضمّن معنى التعليل لما سبقه، فهي جملة استئنافية لا محلّ لها من الإعراب، والجملة التعليلية تأتي جوابا لسؤال مقدّر، وتقديره هنا: لم هذا الردع والزجر؟! والجواب: إنّه كان لآياتنا عنيدا.
العنيد: المستكبر الذي يتجاوز الحدّ المألوف في العصيان، والذي يجحد الحقّ ويردّه ويخالفه مع أنّه يعرف أنّه حقّ.
يقال لغة: عند فلان يعند عندا وعنودا فهو عاند وعنود وعنيد.
لقد دلّت روايات أسباب النّزول على أنّ الوليد بن المغيرة قد أدرك عظمة ما سمع من آيات القرآن المجيد، وأنّها ليست من قول البشر، وعبّر عن دهشته، ولكنّه استكبر عن اتّباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وجحد أن يكون القرآن منزّلا من عند اللّه، وعاند ما سمع من آيات اللّه، فخالفها وردّها ورفض الإيمان بها، وله نظراء من قومه كأبي جهل.
وقد جاءت العبارة القرآنيّة المنزّلة إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا بيانا مطابقا لواقع حاله، إنّه على الرغم من معرفته الحقّ جحده معاندا له.
لِآياتِنا جار ومجرور معمول لكلمة عَنِيدًا فهو متعلّق به، وقدّم لمراعاة رؤوس الآي، ولمراعاة أسلوب بناء الجمل، وقد يكون لإرادة التخصيص أيضا، فهو قد خصّ آيات اللّه بمعاندتها، مع أنّه ليس من طبعه