معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 311
ويظهر أنّ المراد بالنّهار الوقت الّذي تكون معه المواجهة بين الشّمس والجزء المواجه لها من الأرض، فهذا الوقت هو الذي يتسبّب عنه تجلية الشّمس لسكّان هذا الجزء من الأرض، فجاء النّصّ مبيّنا أنّ النّهار هو الذي يجلّي الشّمس، أي: وقت النّهار. وهذا من إطلاق السّبب وإرادة لازمه المسبّب عنه، وهو عند البلاغيّين من المجاز المرسل، وسبب هذا الوقت دوران الأرض حول نفسها باتّجاه الشمس.
وبهذا نجد التطابق بين دلالة النّصّ، وما أكّدته الدّراسات العلميّة الإنسانية.
الظاهرة الرابعة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (4) .
هذا قسم رابع أقسم اللّه عزّ وجلّ به، إنّه قسم باللّيل الذي يظهر في الجزء من الأرض الذي لا يكون مواجها للشمس، في دورتها اليوميّة حول نفسها.
ويظهر أنّ المراد باللّيل الوقت الذي لا يكون فيه الجزء من الأرض مواجها للشّمس، فهذا الوقت هو الّذي يتسبّب عنه ستر الشّمس بالنسبة إلى سكّان الجزء من الأرض الذي يكون فيه اللّيل، فجاء النّصّ مبيّنا أنّ اللّيل هو الّذي يغشى الشّمس، أي؛ يجلّلها ويسترها، أي: وقت اللّيل الّذي يحجب فيه ضياء الشّمس بجرم الأرض نفسها، لانعدام المواجهة بين هذا الجزء من الأرض وبين الشمس في هذا الوقت.
يغشاها: أي: يغطّيها ويجلّلها، تقول لغة: غشّى فلان الشّيء، أي:
غطّاه وجلّله.
والمعنى أنّ هذا الوقت قد كان سببا في ستر الشّمس عن الذين يعيشون في الجزء من الأرض الذي يكون فيه اللّيل، وهذا من إطلاق السّبب وإرادة لازمه المسبّب عنه، وهو عند البلاغيين من المجاز المرسل.