معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 317
الفضاء كحجرة كبيرة، لها حركة دورانيّة حول نفسها في كلّ يوم، وحركة في مسير لها حول الشمس، طوال عام شمسيّ كامل، ضمن مدار محدّد دقيق.
الظّاهرة السابعة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) .
هذا قسم سابع أقسم اللّه عزّ وجلّ به، إنّه قسم بالنفس، وقسم بتسوية اللّه لها. فلفظ"ما"من عبارة: وَما سَوَّاها، مصدريّة كسابقتيها، فالنفس الإنسانيّة قد سوّاها الرّب تسوية مدهشة لما أعدّت له.
إنّ النّفس الممتحنة المكلّفة في الحياة الدّنيا، وما فيها من إبداع الخالق في تسويتها، بجعلها كاملة الصّفات الّتي تؤهّلها لأداء وظيفتها في الحياة، مخلوق عجيب يستحقّ أن يقسم اللّه الخالق الرّبّ به، نظرا إلى ما فيه من أدلّة برهانيّة، وآيات جليلات على صفات الرّبّ الخالق السّنيّة.
إنّ إبداع النفس في الإنس والجنّ بخصائصها الفكريّة، وغرائزها، ودوافعها، وعواطفها، وآلامها ولذّاتها، وآمالها وطموحاتها، وانفعالاتها وأخلاقها، من أعجب العجب، وهذا الإبداع من أقوى الأدلّة في ذات المخلوق على الخالق العظيم، وصفاته الجليلات، ومنها علمه المحيط بكلّ شيء، وحكمته السّنيّة، وقدرته على إبداع ما يشاء ويختار.
التسوية: إبلاغ الشّيء الغاية المقضيّة له، والمقصودة من صنعه.
وجاء في النّصّ تنكير لفظ"نفس"للدّلالة على عظم شأن خصائصها، إنّ خريطتها موجودة ضمن خليّة صغرى لا تخدرك بالعين، ضمن جسد المخلوق من الإنس ومن الجنّ، ونفس الإنسان أكمل وأعظم إبداعا.
وقول اللّه عزّ وجلّ: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) ، هو من توابع القسم بالنفس الّتي سوّاها بارئها، أي: سوّاها فألهمها بعد تسويته لها معرفة