معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 318
سبل فجورها، وأنّها قبيحة ومنكرة مذمومة، ومعرفة طريق تقواها، وأنّه حسن جميل ومحمود.
الإلهام في اللّغة:
هو ما يلقيه اللّه في النّفس فيجعلها تستحسن الحسن، وتستقبح القبيح، ثم إنّ الإرادة فيها تختار، إمّا أن تسلك طريق التقوى حتى مرتبتي البرّ والإحسان، وإمّا أن تسلك سبل أهوائها وشهواتها على غير تقوى، حتّى دركة الفجور، وهو الانبعاث الوقح بقوّة في ارتكاب الجرائم والآثام.
فالنفس المدركة بعد أن خلقها اللّه جلّت قدرته وحكمته، وأبدع تسويتها، وكمّلها بالخصائص للوظيفة الّتي أعدّها لها، وللامتحان في ظروف الحياة الدنيا، المستتبع بالحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، أعانها بارئها كي تجتاز رحلة امتحانها على بصيرة، فوضع في فطرتها بطريقة الإلهام، الإحساس الوجدانيّ، والبصيرة القلبية، مع النظرات الفكريّة المميّزة، الّتي بها تدرك نوع العمل الّذي تهمّ بعمله، أو يعمله الآخرون، إذا كان من دركة الفجور التي هي أخسّ دركات المعاصي والآثام، فما هو أخفّ منها، إلى ما قبل أولى درجات مرتبة التقوى، ثم ارتقاء في درجات مرتبة التقوى فما فوقها من درجات مرتبتي البرّ والإحسان.
وهذا الإدراك الإلهاميّ هو من الفطر النفسيّة التي فطر اللّه النفوس عليها، ولكن يأتي إدراكها لها متأخّرا، بمقتضى دلالة الفاء في عبارة فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) .
الفجور: هو كما سبق بيانه، الانبعاث القبيح بوقاحة ومجانة، في كبريات المعاصي والجرائم، الّتي تدرك قبحها وشناعتها النفوس، كالكفر وجحود الحقّ والخيانات العظمى، والإصرار على التزام الباطل مع وضوح أنّه باطل، وكالعدوان على الأنفس والأموال والأعراض.