معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 319
وهذا الفجور تدرك كلّ النفوس قباحته وخسّته، ولو لم تنزل شرائع ربّانيّة ببيانه، ومن أدرك الفجور أدرك أنّ فاعله يستحقّ العقاب عليه.
أمّا إلهام النفوس معرفة طريق تقواها فهو توجيه فطرتها لإدراك ما يقيها ويحميها من عواقب تكرهها وتخشاها، إذا هويت، أو اشتهت، أو رغبت في أمر ما، من فعل أو ترك قد ينجم عنه شرّ، أو ضرّ أو عقوبة أو أذى.
والكفر والشرك باللّه من أفجر الفجور المؤدّي إلى العذاب الأليم الخالد، والإيمان الصّحيح الصادق هو الوقاية الواقية منه.
والتقابل بين أخسّ دركات المعاصي والجرائم، وأوّل درجات سلّم التقوى، يدلّ باللّزوم العقليّ على الدركات الأخف من دركة الفجور حتى ما قبل أوّل درجات سلّم التقوى، ثمّ يدلّ باللّزوم العقليّ على سائر درجات كمال التقوى، لدخولها في عموم مفهوم التقوى. ثمّ يدلّ أهل الفطانة على درجات مرتبة البرّ الّتي هي فوق مرتبة التقوى، وعلى درجات مرتبة الإحسان الّتي هي فوق مرتبة البرّ، وهذه يفهمها الفطناء من التقابل بين الفجور أخسّ الدّركات، والتقوى أوّل مراتب الدّرجات الصاعدات، مع أنّ المقابل المناظر للفجور هو أعلى درجات الإحسان، وتأتي بينهما متقابلات متناظرات بحسب درجات الارتقاء ودركات الانحطاط.
المقسم عليه بالظواهر الكونيّة السّبع:
بعد القسم بالظواهر الكونيّة السّبع المشهودة جاء المقسم عليه، وهو خبر غيبيّ مستقبليّ له شواهد من أحداث ماضية قد وقعت فعلا في العاجلة قبل الآجلة.
وقد جاء المقسم عليه في قول اللّه عزّ وجلّ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10) .
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 2 ... 320