معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 353
علم اللّه المحيط بكلّ شيء، وعلى قدرته، وعلى حكمته العجيبة، وعلى إتقانه في قضائه وقدره وخلقه.
والقسم بالسّماء ذات البروج، هو في لوازمه الفكريّة قسم بيوم الحياة الدّنيا، وبأنظمته كلّها.
فلدى التأمّل في واقع هذا الكون، وفي دلالات النّصوص القرآنيّة، نلاحظ أنّ يوم الحياة الدّنيا مرتبط بهذا النظام الّذي تسير عليه السّماء ذات البروج.
وحين يريد اللّه عزّ وجلّ تحقيق قضائه وقدره، بإنهاء هذا اليوم، فإنّه يكوّر الشمس، وينثر الكواكب، ويجمع الشمس والقمر، وينسف الجبال، ويقيم قيامة كلّ هذه الظاهرات المنتظمة، ويفني الأحياء.
حتّى إذا جاء ميعاد اليوم الآخر، يبدّل اللّه عزّ وجلّ الأرض غير الأرض والسماوات، وذلك هو اليوم الموعود.
الآية الثانية من آيات اللّه في كونه: هي آية إعلانه عن اليوم الآخر الموعود، فيما بعث به رسله، وفيما أنزله من كتب، فهذا اليوم الموعود هو الذي تقتضيه حتما حكمته جلّ جلاله، بعد أن وضع ذوي الإرادات الحرّة موضع الابتلاء في ظروف الحياة الدنيا. وذلك لأنّ الابتلاء يقتضي في حكمة الحكيم الحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء حتما، وإلّا كان وجود هذا الكون باطلا وعبثا.
فوجود يوم الحياة الدنيا يوم الابتلاء، يستلزم حتما أن تشتمل خطة الخالق الرّبّ على إيجاد يوم آخر، يتحقّق فيه الحساب، وفصل القضاء، والجزاء، فمن الأمور البدهيّة أن يقسم اللّه باليوم الموعود، كما أقسم بالسّماء ذات البروج الّتي هي الظاهرة العظمى ليوم الحياة الدنيا، وما فيه من كلّ مشهود، فهما جميعا من مظاهر حكمته جلّ جلاله، وقد دلّ على هذه الآية