معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 354
الثانية، وعلى القسم بها، قول اللّه عزّ وجلّ: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) .
أمّا المقسم به الأوّل فعظمته مشهودة ظاهرة، وتزداد هذه العظمة لدى الباحثين الكونيين، الّذين يدرسون الكون، ويتفكّرون في نظام السماوات، وحركة الكواكب والنجوم في أفلاكها، ويتفكّرون في منازلها وفي بروجها، فيرون فيها براهين على الخالق العليم القدير الحكيم، الّذي أتقن كلّ شيء صنعا.
وأمّا المقسم به الثاني، وهو اليوم الموعود، فمن تدبّر في حكمة الخالق الرّبّ المبدع الحكيم، ظهر له بالبرهان العقلي، أنّ مقدّر اليوم الجاري، وهو يوم الحياة الدنيا، وخالق الإنسان فيه بصفاته الّتي هو عليها، القادر بمقتضاها أن يفعل الخير ويفعل الشرّ بإرادته الحرّة، وأن يرحم ويظلم، وأن يعدل ويجور، وأن يؤمن ويكفر، وأن يطيع ربّه ويعصيه، لا بدّ أن يكون قد وضع في خطّته وبرنامجه خلق يوم آخر، يحاسب فيه، ويقضي فيه بين عباده، ويجزيهم بحسب أعمالهم، فالمحسن يجزيه بفضله، والمسيء يجزيه بعدله، أو يغفر له إذا اقتضت حكمته ذلك، ما لم يكن كافرا بربّه، ولو من أخفّ دركات الكفر.
إنّ عظمة اليوم الأوّل المشهود، تدلّ دلالة برهانيّة عقليّة على عظمة اليوم الآخر الموعود، فكان من الحكمة أن يقسم اللّه به، إعظاما لأمره، وإطماعا بما فيه من أجر عظيم، وثواب جزيل، وتخويفا ممّا فيه من عقاب أليم، وجزاء عادل حكيم.
وفي جعل القسم باليوم الموعود وهو غيبيّ بين قسمين من آيات اللّه المشهودة إشارة إلى أنه هو المقصود بالتأكيد بالقسم، وهذا أسلوب مبتكر قائم على إدراج المقسم عليه ضمن الأمور المقسم بها.
وبسط قول اللّه عزّ وجلّ: