فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 368
وعند المؤرخين قصص أخرى، وقعت في فارس، وفي العراق، وفي بلاد الرّوم، وفي أرض غير ما ذكر ابن إسحاق، وغير القصّة التي رواها مسلم والإمام أحمد عن صهيب عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وكلّ واحدة منها تصلح لأن تطبّق عليها القصّة القرآنيّة.
ولا مانع من اعتبار كلّ الأحداث والوقائع المشابهة داخلة في عموم القصّة القرآنية، فكلّ جبابرتها ينطبق عليهم قول اللّه عزّ وجلّ:
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) .
قول اللّه عزّ وجلّ: النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (5) :
لفظ النَّارِ بدل اشتمال من الأخدود، فدلّ هذا على أنّ أصحاب الأخدود قد أوقدوا فيه النّار، فاشتمل الأخدود على النّار، فحسن أن يأتي لفظ [النّار] بدلا منه، على طريقة بدل الاشتمال، وبدل الاشتمال من التعبيرات الفنيّة في اللّسان العربيّ.
ذاتِ: بمعنى صاحبة، وهي كلمة يتوصّل بها إلى الوصف بالأجناس.
الْوَقُودِ: هو الحطب، وكلّ مادّة توقد بها النار.
وصفت نار هذا الأخدود بأنّها ذات الوقود، لتصوير مشهد المدد من الوقود، الّذي جمعه أو يجلبه أصحاب الأخدود، ويجعلونه قريبا منه، فهم يمدّونها بالوقود اللّازم لها، كلّما تقاصرت ألسنة لهبها.
وفي هذا التّصوير إبراز لشناعة عملهم، وفظاعته، وتنبيه على ما في