معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 376
مآكلهم، وفي ملابسهم، وفي مشاربهم، وفيما يسلّط عليهم من زبانية تعذيب، وما يكلّفونه من مشقات، كصعود جبال عاليات، شديدات الحرارة، كثيرات العقبات.
الثاني: عذاب الحريق، بمباشرة النّار لأجسادهم الّتي تحترق بها، كلّما نضجت جلودهم بدّلهم اللّه جلودا غيرها، أخذا من نصّ قرآني آخر.
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ:
فَتَنُوا: يقال لغة: فتن يفتن فتنا وفتونا، والاسم منه"الفتنة"، وهي في الأصل الصّهر بالنّار للمعدن، كالذّهب والفضّة، لتمييز الرديء من الجيّد.
ثمّ صارت مادّة الكلمة تدلّ على مطلق الابتلاء والامتحان والاختبار.
ومن التوسّعات اللّغويّة في دلالة هذه المادّة إطلاقها على الإحراق بالنّار، أو التعذيب بها، عقابا، أو انتقاما، أو عدوانا وظلما، ويسقط معنى الاختبار حينئذ.
ومن التوسّعات اللّغوية، إطلاق الفتنة على الإغراء والإغواء، وعلى الإكراه بأنواع من التعذيب للاستجابة لما يطلبه المكره، وتطلق أيضا على الاستجابة، إلى غير ذلك من توسّعات.
وظاهر أنّ المراد هنا بفعل: [فتنوا] أنّ الطّغاة الجبابرة اتّخذوا الوسائل الإكراهيّة الضّاغطة، ومنها التعذيب الجسديّ لجعل المؤمنين والمؤمنات يرتدّون عن دينهم.
ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا: في العطف بحرف العطف"ثمّ"دلالة على أنّ اللّه عزّ وجلّ منح السّابقين فرصة إمهال متراخية ليتوبوا، على الرّغم من فعلتهم الشّنيعة، وجريمتهم الكبرى، لاحتمال أن يكونوا قد ارتكبوا جرائمهم في