معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 383
ولمّا قضت حكمة اللّه عزّ وجلّ بأن تكون الحياة الدنيا حتى آخر لحظة من حياة الإنسان فيها حياة امتحان، لزم أن يكون برنامج الخلق مشتملا على حياة أخرى يكون فيها تحقيق الجزاء، بعد الحساب وفصل القضاء، وهذا لا يكون إلّا بالإعادة إلى الحياة بعد الموت.
ولمّا كان إنكار المشركين لليوم الآخر قائما على توهّم صعوبة إعادة الموتى إلى الحياة بعد فناء أجسادهم، كان من الحكمة البيانيّة التّعليميّة والتربويّة عرض قضيّتي بدء الخلق وإعادته على مستوى واحد من التكافؤ، فالخالق الذي بدأ الخلق على غير مثال سبق، قادر على أن يعيده بعد أن يميته ويفني جسده.
وقد جاء البيان عرضا دافعا لأوهام قد تدور في نفوس المشركين، قبل أن تنطلق ألسنتهم بطرح شبهاتهم وجدليّاتهم حول هذا الأمر، كقول قائلهم فيما بعد:"من يحيي العظام وهي رميم؟".
* قول اللّه تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) :
في بيان أنّ اللّه هو الغفور، إطماع للمذنبين من عباده بأنّه كثير المغفرة وعظيمها، فهو يغفر لمن آمن به حقّا، ودعاه أن يغفر ذنوبه، وفيه إشارة إلى أنّ كلّ عبد من عباد اللّه سيرتكب بعض الذنوب والخطايا حتما، فهو بحاجة إلى أن يغفر اللّه له، مهما تسامت منزلته في درجات التقوى، فالبرّ فالإحسان، ومهما انضبطت استقامته على صراط اللّه العزيز الحميد.
الْغَفُورُ: صيغة من صيغ التكثير والمبالغة، والغافر في اللّغة هو الساتر، والمغفرة والغفران السّتر.
تقول لغة: غفر يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة الشّيء، أي: ستره.
فاسم اللّه"الغفور"يدلّ على أنّه جلّ جلاله كثير السّتر لذنوب عباده، ومن لوازن هذا السّتر تجاوزه عن الذنوب، وصيانة المذنب عمّا استحقّ من العذاب عليها، إذا اقتضت حكمته ورحمته ذلك.