معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 447
بعد الإعداد النفسيّ للتعرّف على بعض أنباء هذا الحدث العظيم المهول القادم، الّذي أطلق عليه لفظ"القارعة"، وقدّمت للتعجيب من هوله ومن أحداثه الجسام عبارتا الاستفهام التعجيبيّ: مَا الْقارِعَةُ (2) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (3) ، جاء بيان بعض مظاهر أحداثها.
إنّها حادثة عظيمة مهولة تكون يوم يكون الناس بسبب ما يجري فيها من تفجيرات وتغييرات وتبديلات، متناثرين متطايرين كالفراش المبثوث، وتكون الجبال الرّاسيات الرّاسخات منتفخة منفوشة لا صلابة فيها، فهي حينئذ كالصّوف المنفوش.
ما هذه الحادثة القارعة العظيمة المهولة الّتي تنفذ إلى أعماق جبال الأرض كلّها، فتغيّر طبيعتها الصّلدة الرّاسخة، فتجعلها كالصّوف المنفوش المندوف، مع بقاء ألوان صخورها المختلفة فيها؟!!
العهن: هو الصّوف المصبوغ بألوان مختلفة اختلط بعضها ببعض.
المنفوش: هو الذي نفّش بالمندف ليرقّ فيصلح لغزله خيوطا.
ومشهد هذا العهن المنفوش قد كان مشهدا مألوفا في معظم بيوت العرب، لأنّهم كانوا يأتون بالصّوف، فيغسلونه، ثم يصبغون كلّ قسم منه بلون، ثمّ يخلطون هذه المصبوغات ببعضها، ثمّ ينفشونها لغزلها وإبرامها خيوطا.
ما هذه الحادثة القارعة العظيمة المهولة الّتي تجعل الناس يقذفون متاطرين عن سطح الأرض، منبثّين لا أوزان لهم على الأرض، طائشين في كلّ اتّجاه، كالفراش المبثوث؟!
إنّها لا بدّ أن تكون حادثة عظيمة جدا، وعامّة للكرة الأرضيّة كلّها.
لكنّ تصيير الجبال كالعهن المنفوش حدث سابق لمراحل لا حقة،