معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 454
وقد علمنا من نصوص الشريعة المختلفة، أنّ العمل الصّالح ذا الوزن المنجي من الخلود في عذاب النار، هو الإيمان الصّحيح الصادق، الخالص من الشّرك باللّه.
واقتصر البيان هنا في التعبير عن نعيم الجنّة لمن ثقلت موازينه على بيان أنّه في عيشة راضية، فقال تعالى:
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (7) .
أي: في عيشة ذات رضا، بمعنى أنّ صاحبها يكون راضيا كامل الرضى، إذ ينال فيها كلّ ما يطلبه من نعيم، وفوق ما يطلبه منه بمزيد من فيوض عطاء اللّه، حتى يكون راضيا، غير متكدّر من حرمان أو نقصان عمّا يطلب أو يتمنّى.
ويرى البلاغيّون في عبارة: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (7) أنّه من قبيل المجاز العقلي، إذ أسند الرّضا إلى العيشة، والأصل أنّه هو الراضي بها، والملابسة أنّه هو صاحب العيشة، فهي جزء من ذاته.
والغرض البيانيّ الإشعار بمصاحبة الرّضا لكلّ أجزاء عيشة المؤمن في الجنّة، فلا يوجد عنصر منها، ولا أجزاء زمنيّة مرافقة لها تخلو من الرّضا، وهذا المعنى لا تؤدّيه عبارة: فهو راض عن عيشته، وذلك لأنّ الإنسان قد يرضى عن عيشته ولو دخلت ضمنها منغّصات، إذ هو ينظر إلى عيشته باعتبار الأغلب من أحوالها، بخلاف العيشة نفسها الّتي تمرّ أجزاء مع توالي الأزمان؛ إذ كلّ جزء منها منفكّ عن سابقه وعن لاحقه، فإسناد الرّضا إليها يدلّ على أنّ كلّ أجزائها مغمور بالرّضا.