فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 514
وهذا ما يعلنه بعض الملاحدة بعبارات صريحات، ويدور في خلد سائر الكفرة باللّه ورسله واليوم الآخر، ولو لم يصرّحوا به في عباراتهم.
المادّة الثانية:
دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (34) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (35) :
بعد بيان المادّة الأولى الّتي تضمّنت ذكر مقتضيات إدانة الكافر الفاجر، المكذّب بيوم القيامة، بذكر أقبح ما كان منه في الحياة الدنيا، ممّا يقتضي الحكم عليه باستحقاق العذاب الأبديّ، تأتي المادّة الثانية متضمّنة إصدار الحكم عليه، بعبارة عجيبة الاختيار والتّوجيه، إذ يواجه فيها بالخطاب، فيقول له الرّب جلّ جلاله وعظم سلطانه:
أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (34) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (35) :
أي؛ تقرّر الحكم عليك بالعذاب الأبديّ، وصار تنفيذه قريبا منك.
فالعبارة الاصطلاحيّة الدّالة على هذا المعنى هي:"أولى لك".
أمّا التحليل اللّغويّ لهذا التعبير، فقد قال الأصمعيّ بشأنه:"أولى لك"أي: قاربك ما تكره.
قال ثعلب: لم أجد في"أولى لك"أحسن ممّا قال الأصمعيّ.
أقول: إنّ كلمة:"أولى"على ما فهم الأصمعيّ هي من فعل:"وليه الشّيء يليه"أي: تبعه دون فاصل، فهو تابع قريب منه. وتقول لغة: أوليته إيّاه، إذا أتبعته إيّاه، وجعلته قريبا منه.
فإذا كانت"أولى"صيغة"أفعل تفضيل"كان معنى"أولى لك"صار العذاب أقرب لك من أيّ قريب.
وهذا قرار رمزيّ موجز بحكم التّعذيب، فمن شأن العظماء عادة أن يكتفوا في أوامر التعذيب أو القتل بالإشارات، أو بالرّموز الكلاميّة.