معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 624
إذن فوجود الرّياح الدائم، وتصاريفها، من الأمور الّتي تقدّم لأهل البصيرة الذّكر، ودلالات العذر، ودلالات النّذر.
وهذا يلقي الضّوء على ما وصف اللّه عزّ وجل به الرّياح في قوله في سورة (المرسلات/ 77 مصحف/ 33 نزول) :
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) .
فنفهم المراد به بتوفيق اللّه ومعونته وتفهيمه.
النص الثالث:
قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (ص/ 38 مصحف/ 38 نزول) بشأن امتنانه على سليمان عليه السّلام إذ سخّر له ممّا سخّر الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، بعد أن سأل ربّه أن يهبه ملكا يخصّه به، لا ينبغي لأحد من الناس من بعده:
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (36) .
تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ: أي: تجري الريح بأمر سليمان عليه السّلام رُخاءً أي: خفيفة ناعمة ليّنة حَيْثُ أَصابَ أي: في المكان الذي يريد أن تجري فيه كذلك، وإلى المكان الذي يريد أن تجري إليه كذلك.
يقال لغة: أصاب صوبا، أي: أراد أمرا صوابا. والصّوب: القصد.
فمعنى: حَيْثُ أَصابَ حيث قصد قصدا صوابا، وفي هذا ثناء على سليمان عليه السّلام، بأنّه لم يكن يستخدم الريح الّتي سخّرها اللّه عزّ وجلّ له في أعمال خارجة عن منهج الصّواب.
وضدّ الصواب الخطأ، وما لا خير فيه، واللّهو واللّعب.
وفي تسخير اللّه عزّ وجلّ الريح لسليمان عليه السّلام تجري بأمره شاهد على صدق رسالته، وصدق دعوته لربّه.