معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 18
والقسم بالقرآن المجيد قسم بآية من آيات اللّه الباهرات، ويتوقّف إدراك هذه الآية على التفكّر والتّدبّر للوصول إلى معرفة عناصر إعجازه، وأنّه لا يمكن أن يكون صادرا عن فرد أو جماعة من الناس، أو عن كلّ الإنس والجنّ، ولو اجتمعوا على ذلك، فالقرآن آية عظمى، وهو يستحقّ أن يقسم به اللّه عزّ وجلّ كما أقسم بظواهر آيات صفاته في الوجود.
والقسم به موجّه في الحقيقة لمن هم مؤهّلون لإدراك عناصر إعجازه من أولي الألباب.
فكأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: أقسم بالقرآن المجيد المعجز، لأولي الألباب القادرين على إدراك عناصر إعجازه بعد التفكّر والتدبّر، على صدق رسولي محمّد وصدق ما جاء به عنّي ليبلّغه للناس، كما أنزلته عليه.
ولهذا لم يواجه اللّه عزّ وجلّ بعد هذا القسم الكافرين بالخطاب، بل تحدّث عنهم بضمير الغائب، فالقسم بالقرآن المجيد لا يؤكّد في نفوسهم، صدق الرسول في رسالته، ولا صدق نبإ يوم الدين الذي أخبرهم به عن ربّه، إذ لم يتفكّروا في القرآن ولم يتدبّروا عناصر إعجازه، لكن قد يوجد فيهم مستقبلا متفكّرون متدبّرون أولو ألباب، أو يستحثّ هذا القسم من كان منهم ذا لبّ درّاك فيتفّكر ويتدبّر، فيكون هذا القسم مفيدا بالنّسبة إلى هؤلاء، ويؤكّد في نفوسهم صدق الرّسول وصدق ما جاء به.
* قول اللّه عزّ وجل:
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) ؟؟!
بَلْ حرف إضراب، والذي يظهر لي أنّه إضراب عن كلام مطويّ مقدّر ذهنا يدلّ عليه القسم بالقرآن المجيد، أي: لكنّ الّذين كفروا لم