فهرس الكتاب

الصفحة 1379 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 20

الموتى بعد أن يصيروا ترابا، متعامين عن آية اللّه السابقة والدائمة، التي ينشئ بها الأحياء النشأة الأولى من ماء وتراب، ضمن حلقات سببيّة في سلسلة إنشائه الأحياء جلّ جلاله.

فجاء الإضراب بلفظ"بل"دليلا على هذا الكلام المطويّ، وهذا من بديع الإعجاز القرآني، الذي يعتمد على منطقيّة التحليل.

وقد جاء الحديث عن الذين كفروا بالرّسول وبيوم الدّين من مشركي مكّة بضمير الغائبين، بَلْ عَجِبُوا دون أن يسبق في سورة (ق) حديث عنهم، اعتمادا على عدّة قرائن تحدّد المراد.

القرينة الأولى: أنّ سورة (ق) قد نزلت عقب سورة (المرسلات) التي دارت آياتها حول معالجة المكذّبين، وتكرّر فيها قول اللّه عزّ وجل: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) .

القرينة الثانية: يعلم من واقع الحال إبّان نزول هذه السّورة، ومما جاء بعد ضمير الغائبين أنّ المكنّى عنهم بالضمير هم المكذّبون للرسول والمكذبون بيوم الدّين، فواقع الحال يكشف أنّ القوم ثلاثة أقسام:

(1) قسم آمن بالرّسول وبما جاء به، واتّبعوه، وهؤلاء لا يعجبون ولا ينكرون، فهم غير مقصودين حتما.

(2) وقسم لم يؤمن بعد ولم يكفر، لأنّه لم يناقش قضيّة الرسول ولا قضيّة البعث للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء، فلم يبد في القضيتين رأيا لا بالنفي ولا بالإثبات، وهؤلاء غير مقصودين أيضا، إذ لم يعلنوا إنكارهم، ولا تكذيبهم.

(3) والقسم الثالث: هم الذين أعلنوا كفرهم وإنكارهم، ولم تكن حجتهم إلّا أنّهم تعجبوا أن جاءهم منذر بشر منهم، وتعجّبوا من قضيّة البعث، فقالوا: أئذا متنا وكنّا ترابا سوف نرجع إلى الحياة مرّة أخرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت