معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 35
ويضاف إلى هذا البيان الإخباريّ، أنّ أدلّة هذا العلم الشامل منبثّة في ظاهرات هذا الكون الكبير.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) .
بعد أن أبانت الآية الرابعة من سورة (ق) شمول علم اللّه لما تنقص الأرض من أجساد الموتى، وأن كلّ ذلك مسجّل في كتاب على ما سبق شرحه، كان من المناسب فضح حقيقة ما في نفوس وقلوب الكافرين المكذبين، مع الإشارة إلى أنّ أقوالهم التعجبيّة، ليست ناتجة عن شكوك حقيقيّة، وشبهات تشغل أذهانهم بصدق، بل هم يعلمون أنّ محمّدا رسول من رسل اللّه، يبلّغ عن ربّه صادقا منذ دعاهم إلى الإيمان والإسلام، لكنّهم استكبروا عن اتّباعه، أو لم يريدوا أن يتركوا ما هم فيه من فجور واتّباع للهوى، فكذّبوه ظلما وعدوانا وهم يعلمون أنّ ما جاءهم به هو الحقّ من ربّهم. دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية:
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ،
بَلْ هنا نظير [بل] في: [بل عجبوا] . والإضراب بحرف بل هنا إضراب عن كلام مطويّ مقدّر ذهنا.
والمعنى: ليسوا في الحقيقة شاكّين، بل كذّبوا بالحقّ الّذي وضح لهم، لمّا جاءهم.
لَمَّا ظرف بمعنى الحين، أي: بل كذّبوا بالحقّ حين جاءهم، وعرفوا أنّه حقّ، ولم يكن تشكّكهم وتعجّبهم أكثر من طرح جدليّ لسانيّ، وإن سايرهم البيان القرآني في إقامة الأدلّة الإقناعيّة لهم مجاراة لظاهرهم، والمعنيّون بالخطاب فئة القادة الكفرة المكذبين بالحق، مع علمهم بأنّه حقّ.