معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 146
أمّا أهواؤهم وشهواتهم ورغباتهم من دنياهم فهي نزّاعة إلى مخالفة مقتضياتها، وهنا تظهر عقدة الامتحان في ظروف الحياة الدنيا.
والرّسالات الرّبّانيّة في أسسها تكشف للناس الحقائق الكونيّة، والحقائق المغروزة في نفوسهم الّتي فطرهم اللّه عليها، فهي معلّمة ومذكّرة لهم بما في أعماق نفوسهم ممّا هم مفطورون عليه وغافلون عنه.
فمن تكريم رسالة الإسلام للناس، وهي رسالة الرّبّ الخالق لهم، أنّها تقدّم نفسها إليهم على أنّها تذكرة وذكرى، فهي نصوص منزّلة من لدن الرّبّ الحكيم العليم، وموضوعة للتلاوة والترتيل بينهم، حتّى تكون لهم ذكرى وتذكرة متجدّدة، ينتفع بها من لم يطغه هواه، فأبصر طريقه، وأراد سعادة نفسه الحقيقيّة، ولم يؤثر العاجلة على الآجلة.
ومن تكريم رسالة الإسلام للناس، وهي رسالة الرّبّ الخالق الرازق المحيي المميت، الذي بيده ملكوت كلّ شيء، أنّها تجعلهم أمام دعوتها لهم مخيّرين بين مشيئتين دون إلزام بالإكراه، ولا سيطرة ولا قهر، مشيئة القبول والمتابعة، ومشيئة الرّفض والإدبار، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.
لكن لكلّ مشيئة من هاتين المشيئتين نتيجة حتمية، في قانون الخلق الجبريّ، فمن شاء الرّفض وأبى أن يستجيب لدعوة الحقّ، فعليه أن يتحمّل عقابا أليما خالدا يوم الدين، ومن شاء القبول واستجاب وتابع فلينعم سعيدا خالدا في جنّات النعيم يوم الدّين.
إنّ دين اللّه للناس بيان وتذكرة وتخيير، فمن شاء أن يؤمن ويسلم فليفعل، ومن شاء أن يكفر ويستكبر فليفعل أيضا، وعليه أن يتحمّل النتيجة الحتميّة شقاء أبديّا. أمّا من آمن وأصلح فله السعادة الأبديّة.
أفيليق بذي فكر ورأي وعقل تعرض عليه تذكرة من هذا القبيل، لا إكراه فيها ولا قهر، أن يعرض أو ينفر من هذا العرض التخييريّ؟!