فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 43
نظرات تدبّريّة تحليليّة تفصيلية لفقرات هذا الدّرس الثالث:
* قول اللّه عزّ وجلّ:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6) .
يبدأ هذا الدّرس باستفهام فيه معنى الاستنكار والتلويم للمكذبين الكافرين بالرسول وبيوم الدّين، على إعراضهم عن آيات اللّه الكونيّة الدّالّات على قضيّة الإيمان الأولى، الّتي تنقلهم إلى ما وراءها من لوازم فكريّة، حتّى توصلهم إلى الإيمان بقانون الجزاء الرّباني، فالإيمان بيوم الدّين، والإيمان برسل اللّه المؤيّدين بمعجزات وآيات باهرات من لدنه.
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا، الهمزة استفهاميّة، و"الفاء"حرف عطف، ولكن لا نجد في السّوابق ما هو ملائم للعطف عليه، والتأمّل المتأنّي في النّصّ يهدي بتوفيق اللّه إلى أنّها تعطف على محذوف، وإيجادها في الكلام يفصح عنه، فهي على ما يقول النحاة الفاء الفصيحة.
ويمكن استخراج هذا المحذوف بالتأمل أيضا، والقرائن الفكريّة المحيطة بموضوع النّصّ تدلّ على أن لدى المتحدّث عنهم أدوات النظر التفكّريّ التي وهبها اللّه للناس، وفضّلهم بها على سائر خلقه تفضيلا عظيما، وهذه الأدوات كان من الواجب عليهم أن يستعملوها للوصول إلى معرفة خالقهم وممدّهم بفيوض عطاءاته، وإلى معرفة طائفة من صفاته الجليلة، وإلى معرفة الغاية من خلقهم، وما يجب عليهم تجاه بارئهم.
وهنا لا بدّ أن يرد السّؤال الأوّل حول عدم انتفاع الكافرين بما وهبهم اللّه عزّ وجلّ من أدوات نظر تفكّريّ وهو: ألم يستعملوا ما لديهم من أدوات نظر تفكّريّ في أعظم القضايا الّتي خلقوا من أجلها، فلم ينظروا إلى آيات اللّه في كونه، ومنها ما جاء ذكره في هذا الدّرس.
إنّ النظر في آيات اللّه الكونيّة هو الحلقة الأولى في سلسلة التفكير