فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 51
وواقع حال الأرض الّتي جعلها اللّه عزّ وجلّ دار سكنى الناس في الحياة الدنيا، يشهد بأنّها متمدّدة كتمدّد السّقاء، وأنّ اللّه جلّت حكمه وعظمت نعمه، قد أمدّها بعناصر وفيرة لرزق العباد ومنافعهم.
والتدبّر الأمثل يدعوا إلى حمل اللّفظ على معنييه، فكل منهما يدلّ على إتقان صنع اللّه، وكمال حكمته، وعظيم رحمته وعنايته بعباده.
قول اللّه تعالى: وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ، أي: وألقينا في الأرض جبالا ثوابت رواسخ ثبّتت قشرتها.
يقال لغة: رسا الشيء يرسو رسوا ورسوا، أي: ثبت. ويقال: رسا الجبل، أي، ثبت أصله في باطن الأرض.
وكلمة رَواسِيَ هي في الأصل صفة لموصوف محذوف، هي الجبال، ولكثرة استعمالها صفة للجبال استغني عن ذكر الموصوف، ونزّلت الصّفة منزلته في أصل الدلالة، مع زيادة معنى الثبوت والرّسوخ.
ولعلّ في كون الجبال ملقاة إلقاء إشارة إلى أنّ الأرض كانت ممدّدة كالسّقاء، ثمّ حصلت فيها تفجّرات بركانيّة، نجم عنها ترامي حمم بركانيّة في الجو، وألقيت هذه الحمم في الفجوات الّتي أحدثتها البراكين العظمى، فكانت الجبال الرّواسي.
ما جاء في القرآن بشأن امتنان اللّه على عباده في الأرض بالجبال الرواسي:
نطالع في القرآن المجيد أحد عشر نصّا يمتنّ اللّه فيها على عباده بالجبال الرواسي، عشرة منها مكيّة، والحادي عشر منها مدني، وهي ما يلي مرتبة بحسب ترتيب نزول سورها:
النصّ الأول: قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (المرسلات/ 77 مصحف/ 33 نزول) في معرض الحديث عن الأرض: