فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 57
إنّ هذه الآيات الرّبانيّة ذات وظيفة دنيويّة للنّاس، وذات وظيفة دينيّة لهم، إذ تهدي أولي الألباب منهم ابتداء إلى ما فيها من دلالات إيمانية، على طائفة جليلة من صفات الرّبّ خالقها والمهيمن عليها دواما بربوبيته، ثم إلى الإيمان بيوم الدّين وتصديق المرسلين المؤيّدين منه بالمعجزات الباهرات. وتذكّر دواما بما دلّت عليه ابتداء.
هذا ما دلّت عليه عبارة: تَبْصِرَةً وَذِكْرى.
فالتبصرة: هي التعليم والتفهيم ابتداء، لمن يدرك دلالاتها، يقال لغة:
بصّره الأمر تبصيرا وتبصرة، أي: أفهمه إيّاه، وعرّفه به وأوضحه له.
والتّبصّر: التأمّل والتعرّف. والتّبصير: التعريف والإيضاح.
وهكذا آيات اللّه في كونه، تعلّم وتفهّم أولي الألباب، الذين يرجعون إليها متفكّرين متدبّرين.
والذّكرى: التذكير بالشيء، يقال لغة: أذكره إيّاه، وذكّره، والاسم من هذا"الذّكرى".
وآيات اللّه في كونه تكون مشاهداتها المتكرّرات بعد التعليم الأوّل، ذكرى، أي: تذكيرا متكررا بما سبق أن علّمته أوّلا.
مع ما في آيات اللّه الكونية من تجديد تعليميّ، وذلك أن المتفكّر اللّبيب كلّما كرّر نظره إلى آيات اللّه الكونيّة بإمعان استفاد علما جديدا لم يكن قد توصّل إليه بالمشاهدات السّابقات، وهذا الأمر يظهر بجلاء لأهل البحث العلمي، الذين يتعمّقون في دراسة الظواهر الكونيّة، وكلّما اكتشف هؤلاء جديدا زادهم هداية لاستبصار مدهش يتعلّق بصفات جليلة من صفات الخالق البارئ المصوّر الحكيم، الذي أتقن كلّ شيء صنعا.
ولكن من الّذي ينتفع بالتّبصرة وبالذّكرى؟