فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 58
النّصّ يجيب ببيانه على هذا السّؤال بقول اللّه عزّ وجلّ: لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ.
مُنِيبٍ: اسم فاعل من فعل"أناب ينيب"أي: رجع وتاب.
وبالتفكّر ندرك أنّ كلّ عبد قد خلقه ربّه منذ فطره، على الإيمان بالحقّ في مشاعره الوجدانيّة متى أدركه، وأعظم حقّ في الوجود الربّ الخالق البارئ وصفاته الجليلة.
ثم يبتعد العبد عن مشاعر الإيمان بربّه، متّبعا أهواءه وشهواته وزخرف الحياة الدنيا، وقد يضلّ في تيهها وتجتاله الشياطين، فيكون بذلك عبدا آبقا.
وحين يعزم على الرّجوع إلى موطن عبوديّته الإراديّة، ويحقّق ذلك بالرّجوع الفعليّ، وهي الإنابة، عندئذ يكون منيبا، أي: راجعا إلى موطن عبوديّته الإراديّة الاختياريّة، وحينئذ تلفت نظره آيات اللّه الكونيّة، فتكون له تبصرة وذكرى.
هذه المعاني قد أوجزها النصّ عن طريق اختيار الكلمات ذوات الدّلالات المطابقيّة، وذوات الدّلالات اللّزوميّة التي يكشفها التفكّر والتّدبّر، من خلال التعمق في فهم النّصّ، بعد عرض طائفة من آيات اللّه في كونه:
تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) .
فما أبدع هذا البيان، وما أوجزه وأكثره دقّة وعمقا وامتدادا.
وتطبيقا لأسلوب التكامل البيانيّ في القرآن نستطيع أن نقول: إنّ كلّ نص قرآنيّ جاء فيه عرض آية أو أكثر من آيات اللّه في كونه يصلح لأن يقال في آخره: تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) فإيراده في نصّ منها يغني عن إيراده في سائرها، ولكن لا نجعله قرآنا يتلى، وهذا من بديع الإيجاز في القرآن القائم على التكامل في الأداء البياني.