فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 68
* إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا. (41) .
أي: إنّه جلّ جلاله يمسكها في الوجود بما يمدّها به من خلق متجدّد، وحين يوقف تجديد الخلق تعود عدما إلى أصلها، وعندئذ لا أحد يستطيع أن يمسكها لتبقى موجودة.
فما العجب من إعادة أيّ مخلوق بخلق متجدّد ما دام علم اللّه به وبصفاته كلّها شاملا عامّا، وما دامت قدرة اللّه لم يحدث لها تغيير، ومن صفاته جلّ جلاله أنّه إذا أراد شيئا فإنّما يقول له: كن فيكون.
لكنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعل لعمليات خلقه أسبابا فهو يخلق من قنواتها، التزاما بما اختار هو سبحانه من نظام.
وكلّ كلام في الأسباب لا يخرج عن محاولة كشف النظام السّببيّ الّذي نظّم به اللّه عزّ وجلّ عمليّات خلقه بدءا وإعادة، أمّا الأسباب بذاتها فلا تفعل شيئا، ولا تخلق شيئا.
ونلاحظ في عبارة: .. كَذلِكَ الْخُرُوجُ عقب بيان أسباب إنبات النباتات في الأرض، أنّ اللّه عزّ وجلّ بعد أن وجّه الأنظار للتفكّر في دلائل بعض آياته في كونه، نبّه على ظاهرة إحياء الأرض بعد موتها الّذي يتمّ بعد تنزيل الماء المبارك من السّماء واختلاطه بتراب الأرض الّتي فيها بزور النباتات، فتنبت بخلق اللّه وقضائه وقدره فتعود حيّة بعد أن ماتت فيها الحياة السابقة.
وبعد التّوجيه إلى هذه الظاهرة المتكرّرة في الحياة الدنيا، أرشد اللّه جلّ جلاله إلى أنّ حياة الناس بعد الموت مثلها، فلا فرق بين حياة شجرة عظيمة من نواة لا تدرك بالطّرف في بزرتها، وبين حياة إنسان بعد موته من نواة لا تدرك بالطرف، في عظمة من عظام جسده الّذي بلي وتفتّت، وتفرّقت ذرّاته في تراب الأرض، وهي في عجب الذّنب.