فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 69
فإذا كان المتشكّكون حريصين على مشاهدة مثال للحياة بعد الموت، فإحياء نباتات الأرض بعد موتها مثال متكرّر الحدوث في الحياة الدنيا.
وأكّد اللّه عزّ وجلّ بيان هذا في قوله تعالى في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول) :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (9) .
النُّشُورُ: هو الإحياء بعد الموت. وكذلك الإنشار.
ثمّ أنزل قوله عزّ وجلّ في سورة (الزّخرف/ 43 مصحف/ 63 نزول) :
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (11) .
ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ قوله في سورة (الروم/ 30 مصحف/ 84 نزول) :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (19) .
وظاهر تشبيه إحياء الموتى يوم القيامة بإحياء النّباتات من نويات بزورها، يدلّ على أنّ إحياء الموتى يكون كذلك من نويات تبقى فيها صلاحيّة النشأة الأخرى، وحين يأتي يوم البعث يهيّئ اللّه عزّ وجلّ الظروف الصالحة لهذه النشأة، والأسباب الّتي بها تكون، فتنمو هذه النّويات حتّى تكون أجسادا مستعدّة لنفخ الرّوح فيها، فيأمر اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- الملك المكلّف بنفخ الصّور الّذي اجتمعت فيه الأرواح، فينفخ فيه، فتنطلق كلّ روح وتحلّ في جسدها الّذي صار جاهزا بالنشأة الأخرى للحياة والبعث، على وفق ما كان عليه في الحياة الدنيا، لأنّ خريطة صفاته كلّها موجودة في نواته الّتي احتفظت الأرض بها، من جسده في الحياة الأولى.