معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 94
ووضعناه موضع الامتحان في رحلة الحياة الدنيا، وانتهى أجله فيها، وجاءت سكرة الموت بالحقّ.
فما هو الحقّ الّذي جاءت به سكرة الموت؟
* المتبادر إلى الأفهام أنّ سكرة الموت جاءت بالموت، الذي هو الحقّ الذي لا يشكّ فيه أحد، وهو اليقين الذي يوقن به كلّ إنسان، وإن كان يحيد عنه ويفرّ منه حبّا للحياة، وأصل العبارة على هذا. وجاءت سكرة الموت بالموت الحقّ، وحذف منها الموصوف وهو الموت اكتفاء بصفته،"الحقّ"فصارت: وجاءت سكرة الموت بالحق.
والأقرب أن تكون"الباء"في بِالْحَقِ للتّعديّة، إذ يقال لغة: جاء فلان بالشّيء، بمعنى أحضره. كما يستعمل فعل"جاء"لازما، فيقال: جاء فلان، أي: حضر.
* ويحتمل أن يكون الحقّ الذي جاءت به سكرة الموت، ما تخبر به الملائكة المحتضر قبيل موته، عمّا سيلاقي بعد موته ويوم الدّين من عذاب إذا كان من أهل النّار، ومن نعيم إذا كان من أهل الجنة، وما يكشف له من مقعده الذي هو صائر إليه، في الجنة، أو في النار.
روى البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال:
"من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه".
قالت عائشة أو بعض أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّا لنكره الموت قال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"ليس ذلك، ولكنّ المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان اللّه وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه ممّا أمامه، فأحبّ لقاء اللّه فأحبّ اللّه لقاءه."