معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 95
وإنّ الكافر إذا حضر بشّر بعذاب اللّه وعقوبته، فليس شيء أكره إليه ممّا أمامه، فكرة لقاء اللّه وكره اللّه لقاءه"."
فدلّ هذا الحديث على أنّ سكرة الموت تجيء بأمر يعلم به المحتضر علم يقين مقعده من الجنّة، أو من النّار، فالمؤمن يشتاق إلى مقعده في الجنّة، فيحبّ لقاء اللّه يوم الحساب، فيحبّ اللّه لقاءه، وينزل به الموت.
أمّا الكافر فيصيبه الذّعر من مقعده في النّار، فيكره لقاء اللّه يوم الحساب، فيكره اللّه لقاءه، وينزل به الموت.
ويمكن حمل النّصّ على المعنيين: الموت، وما يبشّر به عند سكراته.
ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ:
هذا خطاب يوجّه للكافر عند احتضاره، أي: جاءك الموت الذي كنت تكرهه وتحبّ أن يكون بعيدا عنك. وجاءك العلم الحقّ بعذابك الذي كنت تستبعده، فلا تصدّق بنبأ البعث للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء.
تَحِيدُ: أي: تميل وتبتعد عنه. يقال لغة: حاد عن الشّيء يحيد حيدا وحيدانا ومحيدا، أي: مال عنه وعدل.
وعدّي فعل"تحيد"بحرف الجرّ"من"بدل"عن"لتضمين فعل"تحيد"معنى فعل"تفرّ"فأغنى هذا التضمين عن ذكر جملتين، فالمعنى ذلك ما كنت تحيد عنه فارّا منه.
والتضمين من لطائف الإيجاز في القرآن، أحد عناصر إعجازه.
وجاء في العبارة استعمال اسم الإشارة الموضوع للمشار إليه البعيد، لأنّ الكافر يحبّ أن يكون الموت بعيد الأجل، على احتمال أنّ المراد