معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 99
ونستطيع بالتأمّل الاستنباطيّ أن نفهم أن السّائق هو الملك القرين الّذي كان في الحياة الدّنيا مأمورا بكتابة الحسنات، وهذا لم يسمّه اللّه شهيدا، لأنّه كان يدوّن الحسنات، وتكفي الإنسان، كتابة الملك الشّاملة لحسناته، ويكفيه قبل ذلك وفوقه علم اللّه، واللّه لا يحتاج لمن يشهد له أو عليه.
أمّا الشهيد فهو الملك القرين الذي كان في الحياة الدنيا مأمورا بكتابة السّيّئات، ولمّا كان الإنسان أكثر شيء جدلا كان حاله يتطلّب من يشهد عليه بما جنى من سيّئات في الحياة الدّنيا.
اللّقطة الرابعة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ:
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) .
فِي غَفْلَةٍ: أي: منغمسا في غفلة، إذ الغفلة محيطة بك إحاطة تامّة، والخطاب يوجّه لمن كان يكفر بيوم الدّين، فهو الذي كان في الحياة الدّنيا منغمسا في غفلة شديدة محيطة به. أي: يقال له هذا القول.
الغفلة عن الشيء: هي الانصراف الحسّيّ والفكريّ عن ملاحظته ومراقبته، مع وجوده في مجال الإدراك، أو وجود أدلّته، وإمكان إدراك ذلك لو لا وجود الصّارف، أو السّهو الّذي هو بمثابة إطباق الجفنين على العينين، وما تطلب رؤيته حاضر في مجال النظر.
يقال لغة: غفل فلان عن الشيء يغفل غفولا وغفلة.
والمكذّب بيوم الدّين شغلته أهواؤه وشهواته في الحياة الدنيا، فغشّت على كلّ حواسّه الظّاهرة والباطنة، وكلّ قدراته الإدراكيّة، فغطّتها تغطية تامّة، ووجّهتها للذّات الحياة الدّنيا وزيناتها وأنواع متاعها الزائل.
ولكن ما الحكمة من وضع حرف"من"بدل حرف"عن"في قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا؟؟