فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 104
باستطاعة المتدبّر إذا تأمّل في سياق النّصّ، أن يدرك أنّه الملك الّذي كان معه في الحياة الدّنيا قعيدا عن شماله، ومأمورا برصد سيّئاته وتسجيلها، لأنّه هو الشّهيد الّذي يشهد عليه من الملائكة يوم الدّين.
أمّا الملك الآخر القعيد عن يمينه والمأمور برصد حسناته، وتسجيلها، فقد دلّ الدّرس السّابق على أنّ وظيفته بين البعث وموقف الحساب، سوق الإنسان إلى موقف حسابه، وبما أنّه كاتب حسناته فلا دور له في الشهادة على الكافر المكذّب للرّسول، والمكذّب بنبأ يوم الدين.
إنّ الملك القرين راصد السّيّئات ومسجّلها بالصّوت والصّورة والنّيّات، وحركات النفس معها، يسجّل كلّ الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، الفكريّة والنفسيّة والقلبيّة، لا يمكن أن يقول: هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ دون أن يسأل مسائل تتعلّق بالوظيفة المسندة إليه بخصوص المسوق إلى المحاكمة، لكنّ البيان القرآنيّ طوى أحداثا تكون قبل هذا القول، لأنّ المتدبّر يمكن أن يستنبطها بالتّفكّر، لملء الفراغات بين اللّقطات، واعتنى النّصّ بتقديم اللّقطة الأجدر بالبيان، والملائمة لهذا النّجم القرآني.
فالمهمّ أن يقدّم ما لديه من وثائق لإدانة هذا الإنسان الذي كان في الحياة الدنيا موضوعا تحت المراقبة، وتسجّل عليه جرائمة وقبائحه وسيّئاته.
فالواو العاطفة في جملة: وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) تدلّ على أنّ في النّصّ كلاما مطويّا تعطف الواو عليه كشأن الفاء الفصيحة الّتي ذكرها النحاة، فقد اكتشفت خلال تدبّري الطّويل لآيات كتاب اللّه المجيد، أنّ العطف على محذوف لا يقتصر على الفاء الفصيحة الّتي ذكرها النحويّون والمفسّرون، بل قد يكون بغير الفاء من حروف العطف، والتدبّر المتأنّي مع توفيق اللّه عزّ وجلّ كفيل باستخراج المطويات في النّصوص القرآنيّة، ويستدلّ عليها أحيانا بذكر حرف من حروف العطف، أو بالاقتضاء الفكريّ،