معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 109
الصّفة الرابعة: أنّه مُعْتَدٍ أي: هو لا يكتفي بأن يمنع الخير، بل يمارس العدوان على الناس في حقوقهم المختلفة، الماليّة والأدبيّة، والجسديّة، ففي المال يسلب ويظلم، وفي الأعراض يجرّح ويسبّ ويشتم، وفي الأجساد يضرب ويهشم، ويجرح ويقتل، ويحارب ويهلك الحرث والنّسل، ويفسد في الأرض.
الصفة الخامسة: أنّه مُرِيبٍ: من فعل أراب غيره، إذا أوقعه في الشّك والرّبية. أي: فهو لا يكتفي بأن يكفر باللّه واليوم الآخر، ويكفر بالرّسل وبالكتب وبسائر أركان الإيمان بل يجتهد حاشدا ما لديه من حيل تضليليّة زخرفيّة، ليلقي الشّكوك في أفكار النّاس وقلوبهم ونفوسهم عن الدّين كلّه، ويوقعهم في الرّيب بما يصنع من زخرف القول تزييفا وتزويرا للحقائق.
الصفة السادسة: أنّه جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فهو يعبده من دون اللّه، أي: هو مشرك.
والشّرك أخفّ دركات الكفر خسّة وانحطاطا. وأقبح من الشّرك في العبادة الشرك في الرّبوبيّة، وأقبح منهما إسناد الرّبوبيّة لغير اللّه، وأخسّ الدّركات وأحطّها إنكار وجود ربّ خالق لهذا الكون مطلقا، وأصحاب هذا الإلحاد الشنيع هم الذي يقولون: لا ربّ ولا إله والكون مادّة.
ومن ذكر صفة الشّرك التي هي أخفّ دركات الكفر نفهم عن طريق اللّزوم العقليّ أنّ من كان ذا دركة أخسّ وأحطّ من دركة أخفّ أنواع الكفر، مشمول من باب أولى باستحقاق الإلقاء في جهنّم خالدا فيها مخلّدا، وله فيها دركة تلائم دركة كفره.
أَفلا يستحقّ كلّ من هذه صفاته في الحياة الدنيا، أن يأمر اللّه الملكين المأمورين بمراقبته في الدّنيا، وسوقه والشهادة عليه يوم الحساب،